الرئيسية \
2018/10/28 الحدث
دبلوماسية الإحباط في سورية
الكاتب : مازن بلال

  تبدو اللجنة الدستورية جزءا من إخفاق الجهد الدبلوماسي في سورية، فالمسألة لا ترتبط برفض دمشق لتدخل الأمم المتحدة ولا في نية روسيا عدم التسرع بهذا الأمر حسب تصريحات نصر الحريري من موسكو، فمعادلة الدستور السوري يصعب صياغتها على شاكلة التوازن الدولي الذي يرسمها، وتاريخ التشريعات السورية يوضح صعوبة وضع هذا الملف على سياق دولي، فالصراع مع الانتداب الفرنسي كان في صلبه مسألة الدستور الذي لم يكن فقط عقدا اجتماعيا، إنما قضية أوجدت بشكل فعلي سوريا كما عرفتها الأجيال اللاحقة.

   كانت الدساتير اللاحقة لمرحلة الانتداب مرتبطة بطبيعة السلطة السياسية، وذلك بعد أن تأسست الجمهورية بشكل فعلي، ومن هذه النقطة تحديدا يمكن النظر إلى طبيعة العمل الحالي الذي يتعامل مع حل الأزمة السورية، فالأزمة التي بدأت عام 2011 ليست في جوهرها مسألة دستورية، والكثير من البنود التي تم الاعتراض عليها مرتبط بالترتيبات السياسية المتعلقة بطبيعة السلطة السياسية، وهذا الأمر شهدته سورية مرارا على الأخص في دستور 1950، ولكنها كانت تعبر عن صراعات لقوى سياسية، وفي كثير من الأحيان مخاضا لبروز مؤسسات الدولة التي كانت تطور بشكل سريع.

   عمليا فإن تاريخ الأزمات الدستورية في سورية كانت تنهي بتوازن قوى جديد، لكنه لا يغير بنية الدولة كما ظهرت عشية الاستقلال، حيث بقيت سورية وفق جغرافية – سياسية واضحة دون تبدل، رغم العديد من التحولات سواء في علاقاتها الإقليمية أو الدولية، بينما يبدو البحث في مسألة الدستور وفق الأزمة الحالية مختلف كليا، ويفترق عن الصراعات السابقة بأمرين أساسيين:

·        الأول أن تغيير الدستور هو أمر واقع دولي وليس سوري، فالتفاهمات التي يتم بناؤها تمس هوية سورية كما ظهرت عام 1947، فاللجنة الدستورية التي يتم النقاش حولها هي في حقيقة الأمر لن تضع الدستور، إنما ستشكل الإطار الذي يؤشر لتوافق سوري بشأن العقد الاجتماعي الذي يتم رسمه ضمن نطاق أضيق.

  كان واضحا منذ مراحل مبكرة للأزمة السورية مسألة الاهتمام بوضع دستور جديد، فالعديد من مراكز الأبحاث والمنظمات الدولية غير الحكومية عَملت على هذا الأمر، وعقدت مؤتمرات وتم دعوة السوريين إليها، فالصراع الذي حمل بشكل سريع تشكل أجهزة سياسية خارج سورية، وميليشيات متعددة الجنسيات داخلها؛ تم تلخيصه بإخفاق في المسائل الدستورية، وبالتأكيد فإن الكثير من التحولات طرأت على المجتمع السوري طوال عقود، لكن الخيار أمام الجهود الدبلوماسية يتمحور حول الإبقاء على الدولة السورية، أم تغييرها مع كافة دول المنطقة عبر دستور يعيد الترتيب الجغرافية – السياسية بالكامل.

·        الثاني هو أن الأزمة السورية تعبر عن انهيارات إقليمية وليست دستورية في المطلق، فهي تشبه ما حدث خلال حملة إبراهيم باشا التي أفضت لتوازن دولي جديد، بعد أن هددت هذه الحملة السلطة العثمانية في اسطنبول، وهذا الأمر لا يمكن حله بتعديلات دستورية ولا بسلطة انتقالية حسب تعبير بعض الأطراف الدولية، بل يحتاج لتصورات جديدة لرسم التوازن في المنطقة، والتحالفات التي تظهر اليوم بما فيها الزيارات الرسمية "الإسرائيلية" لبعض الدول العربية، هي محاولات لوضع توازن جديد يحتاج لاختبارات متعددة.

   لا تستعجل روسيا على الدستور السوري، في وقت تدرك الحكومة السورية صعوبة ترك هذه المسألة السيادية للخارج، مع إمكانية التحول إلى النموذج العراقي أو اللبناني، والطريق الشاق لإنتاج الحل السوري لا يمكن أن يظهر بقرار دولي، بل بجهد سوري مطلق لإعادة رسم التوازن من جديد.

رابط المقال:

http://alwatan.sy/archives/171659

 
المصدر : الوطن
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s