الرئيسية \
2016/02/21 عين سورية
((الغزو التركي لسوريا))
الكاتب : يزيد جرجوس

  كثيرا ما يرد في معرض التحليل السياسي للمحللين ما نصه الشعبي يقول "الكلب الذي ينبح لا يعض" ومن ثم يبنى عليه استبعاد حدوث حرب ما، أو تدخل صارخ ما، في دولة أو منطقة. ولكن ذلك ليس دقيقا بالضرورة. فكثيرا ما استخدم الإعلان عن النية في ضرب دولة أو التدخل فيها، كوسيلة لتهيئة الأجواء السياسية والنفسية، لضرب تلك الدولة، وأحيانا لابتزازها وجس نبضها ونبض الآخرين أيضا. الأميركيون دائما يفعلون ذلك ويمهدون إعلانيا وإعلاميا لحروبهم سنوات أحيانا قبلها، وحروبهم على العراق وأفغانستان وغيرها خير دليل. فهل يفكر الأتراك والسعوديون فعلا بالتدخل في سوريا عسكريا؟! وهل هم لم يفعلوا ذلك حتى الساعة؟! وإن كانوا لم يفعلوه بشكل مباشر، ما الذي منعهم وسوف سيمنعهم بالفعل..؟!

  الإجابات تقتضي الروية والابتعاد عن العواطف وحتى عن المبادئ، فنحن نحلل ونقرأ العدو، وفي قراءته لا تعني كثيرا كل انفعالاتنا، ولا ترد الخطر عنا كل مشاعرنا الإيجابية تجاه الوطن وقضيته، ولكنها العوامل والعناصر الموضوعية تلك التي تحدد ما سيكون.

  أثناء تطور مراحل أزمة الحرب على سوريا (وإن كانت شرارتها من الداخل ميدانيا كما نعلم) مرت الدولة السورية بمراحل من الضعف والانكفاء السياسي والميداني، حيث تم عزلها عربيا وبشكل شبه كامل، كما وأن حلفاءها لم يكونوا في وارد المجاهرة والمواجهة لأجلها كما هم اليوم. رافق ذلك تراجع ميداني كبير منذ أواسط 2012 وما تلاه. ترافق ذلك بتوجه رسمي من الجامعة العربية وأيضا بعض الدول العربية منفردة إلى مجلس الأمن وإلى حلف الناتو في محاولات لطلب التدخل الغربي أو الدولي في سوريا، وتكفل العرب بتأمين التغطية السياسية والدعم اللوجستي ماديا وعملياتيا، وبرغم كل ذلك لم تقدم أطراف أقوى بكثير من تركيا والسعودية (حلف الناتو والولايات المتحدة) على التدخل العسكري غير البري حتى، أي بالقصف الجوي مثلا. فما بالكم بالتوجه إلى الغزو البري ومن قوى ودول هي أضعف، وهي أيضا لا تملك تلك الحيثية والشرعية الدولية أو على صعيد الرأي العام العالمي والإقليمي. فالسعودية ملاحقة بلعنة حربها على اليمن، ولقد اختلطت الأوراق ميدانيا عليها، وبات لأول مرة منذ عقود طويلة الخلل الأمني والانسحاب الميداني من أراضي المملكة أمرا واقعا غير متوقع وغير معهود. كما وتعاني من انقسام شعبي هائل، كانت هي السبب في بعث شرارته على أمل أن يثمر سريعا في القضاء على سوريا وإشعال إيران، فكان أن صمود جبهة الخصوم (نحن) أدى إلى تأجيج الصدام والانقسام المذهبي والشعبي في الداخل السعودي أكثر بكثير مما في بقية الدول المستهدفة. طبعا كل ذلك حدث نتيجة انجرار السعودية إلى تنفيذ مخطط سياسي غربي كان يفترض به أن يستخدم أقل قدر ممكن من التهييج المذهبي الإقليمي للوصول إلى أهدافه بأقصر فترة زمنية، فكان أن طالت مدته وبدأت الآثار الخارجة عن السيطرة تطفو على سطح المشهد، تلازما أيضا مع حاجة السعودية لضخ المزيد من التأجيج المذهبي أملا بتحقيق شيء ما لم يتحقق. وهذا تماما ما حدث مع التركي الذي اضطر وبسرعة مريبة لخلع رداء العلمانية والحداثة مستبدلا إياهما بثوب التطرف والتحريض الديني والطائفي والسلوك المافياوي منقطع النظير في الإقليم، مما فاقم من سوء أوضاعه هو داخليا، فالانقسام الشاقولي العميق في المجتمع التركي، والإشكال الأعمق مع الأكراد، وبراثن الإرهاب التي بدأت تضرب الداخل التركي وبشكل متزايد. جبهات عسكرية مفتوحة على كلا البلدين وبعيدا عن سوريا، فلقد بلغ عدد الضباط والجنود الذين قتلوا في السعودية وفي تركيا المئات خلال الأشهر الماضية، وكل ذلك في عمليات داخلية أو أخرى بعيدة عن الشأن والميدان السوري، فما الذي سيدفع الدولتين الغارقتين بالمشاكل والإرهاصات لخوض مغامرة التدخل البري في سوريا؟!

إنها محاولات جادة فقط لتحريض المسلحين والتجمعات المتمردة المسلحة والإرهابيين في الداخل السوري، وإعطاءهم جرعات من الأمل على أن "الدعم قادم" لكي يقاتلوا حتى النفس الأخير، على طريقة نابوليون -ومع فارق المقارنة- يوم أمر جنوده في آخر معاركه بالقتال ريثما تصل قوات النخبة، والتي لم تكن موجودة أصلا، فقاتلوا حتى فنيوا جميعهم وفني هو معهم. كما وأنها تكاد تكون لعبة لتشتيت الروسي والسوري، وإرباكهما في ذروة التقدم العسكري والسياسي الحاصل، ومحاولة لخلط الأوراق من قبل تركيا مستخدمة عباءة الناتو الذي هي ركن فيه، فلا هي تجرؤ على التدخل البري لعلمها أنها لن تجد أحدا معها، ولا هي تجرؤ أيضا على الضرب الموجع خوفا من رد روسي مؤلم قد لا تشفي آثاره التصريحات الغربية الداعمة نسبيا لتركيا، فيما يظن الجميع بأنها ستترك وحدها في مواجهته، فتلجأ لرشقات مدفعية هنا وهناك وتصريحات جوفاء، تكتفي من خلالها بخدمة الحلف الغربي في إعطائه مادة للضغط الإعلامي والسياسي على روسيا ليس إلا، وهذا هو كل المستطاع غربيا كما يبدو حتى الساعة. وعليه يترك للحكومة التركية حرية القصف الإعلامي علها تنعش آمال المسلحين القادمين من أنحاء الأرض عبرها، وعلها بالتوازي تستعيد شيئا من هيبتها وموقفها على الصعيد الداخلي التركي.

  على صعيد أوسع، من الواضح جدا أنه ليس هناك من هو مستعد لخوض حرب عالمية ثالثة، يظهر الأتراك والسعوديون بصورة الداعي لها، فيما يظهر الروسي بصورة الجاهز والمستعد. وهنا لا بد لنا من الإقرار بأن كل ذلك هو لغو إعلامي لاستكمال الصورة السياسية التي لا بد من استكمالها في مهب عاصفة التغيير الجذرية التي تخفق على وجه العالم السياسي، وفي خضم كباش القوى العظمى الحاصل وعلى أشده، والذي لا بد أن الخصمين فيه حريصان جدا على عدم الانزلاق إلى ما هو أكثر من إعادة التموضع بقوة، طالما أن أيا منهما لم ينجح في جر الآخر للمذبحة. فالأميركيون وحلفهم الغربي غارقون في مستنقع الديون وانعدام القدرة على إحداث التنمية، وحالة انكفاء القوة لا تخولهم الخوض بغمار حرب يخرجون منها أضعف. كما أن الشرق ودوله الصاعدة توا من عتمة عقود النضال للخروج من التبعية والضعف إلى السيادة والتسيد، هو أيضا لن يغامر في هدم كل ذلك. وقبل هذا وذاك فإن الرأي العام العالمي وفي كل مجتمعات العالم قاطبة بما فيها من دول وحكومات وقوى وعناصر تأثير، جميعها ليست بوارد القبول أو حتى التفكير بحرب عالمية ما يزال عشرات الملايين من أبناء ضحاياها يعيشون بيننا اليوم. إن الذهاب إلى ذلك الخيار يحتاج كمية من الجنون والاندفاع السياسي لا تبدو متوفرة اليوم لدى أي طرف من الأطراف. لذلك لا نعتقد بأن أي غزو بري لسوريا قد يحدث، خلافا طبعا للغزو الذي أصلا كان قد حدث يوم عملت السعودية على تحريض وتمويل، وتركيا على دعم وتمرير إرهابيي الكرة الأرضية أجمعين إلى سوريا لقتل شعبها وتدمير دولتها، الأمرين الذين تحقق شيئ من كل منهما ونسبيا، ويجري اليوم وبشكل واضح انهاء هذا الملف (التمرد المسلح المدعوم بإرهابيي العالم) وبشكل نهائي لن يستغرق أكثر من أشهر، وإلا يفقد فحواه السياسي والاستراتيجي، على خلاف الحروب الأميركية الطويلة التي يراد لها ذلك.

 

يزيد جرجوس

20/3/2016

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s