الرئيسية \
2016/03/29 عين سورية
مأزق فكرة ((لمعارضة السورية))
الكاتب : يزيد جرجوس

    إن الجو والوسط السياسي والإعلامي العالمي، يعيش منذ مطلع عام 11 بخصوص كل أحداث ما سمي "الربيع العربي" أو "الفوضى الخلاقة" في حالة اعتبر فيها وتحديدا في الدول التي استهدفها المشروع وخاصة سوريا، أن "المعارضة هي حالة من النقيض الموضوعي مع السلطة الحاكمة"، والتي اصطلح أيضا وليس عبثيا على تسميتها "بالنظام". طبعا كل تلك التفاصيل كانت هادفة إلى حد كبير وواضح، ولكنها أيضا كانت هدامة بنفس القدر، وليس فقط على المستوى المادي المباشر، ولكن على المستوى المعنوي الأعمق والأكثر تأثيرا في الغد. كما أنها قبل هذا وذاك ساهمت وبطريقة درامية غير ملحوظة، في إيصال هذه "النخب" التي أطلقت عليها تسمية "المعارضة" إلى الحائط المسدود الذي تمناه كل من كان يرى وبوضوح أن هؤلاء صنعوا في الخارج، ولأهداف خارجية.

  قيل الكثير حول فكرة باتت من المسلمات، أنه ليس هناك في السياسة الوطنية لأي دولة ما يسمى "المعارضة المسلحة" وهو أيضا أحد المطبات الكبيرة التي وقعت فيها تلك الشخصيات والقوى عندما تم جرها واستخدامها لغرض محدد، هو إسقاط الدولة السورية وتفكيكها، كما حدث في العراق. ولكن يبقى التشكيل الأكثر حضورا في المؤتمرات والمباحثات والحوارات الدولية لأجل سوريا، هو ما يسمى "المعارضة السورية" والتي اعتبرها الغرب ممثلة بمجلس اسطنبول ومن ثم إئتلاف الدوحة، وأخيرا ملتقى الرياض. مجموعة من القوى والشخصيات التي ترفض ورفضت تماما الإعتراف بأي شرعية للرئيس السوري ولكل هيكلية الدولة، بنفس الوقت الذي تطرح فيه نفسها كمعارضة، متناسية أو مضطرة لتناسي مفهوم أساسي هو أن المعارضة الشرعية تقتضي بالضرورة وجود حكومة أو سلطة شرعية تختلف معها بالسياسة والتوجهات، فهما يشرعنان كل منهما الآخر. وإلا ما معنى معارضة، وماذا تعارض؟! من هنا كانت تلك القوى والشخصيات تحاول جمع الماء والنار في إناء واحد، فهي تريد وصف نفسها "بالمعارضة" لما في ذلك من شرعية في العقل العالمي والغربي تحديدا(وهو الداعم لها كما تقول) وحتى لا توصم بالتمرد، وهو الحالة الأخرى إذا لم تكن معارضة، وبنفس الوقت تريد أن تنكر شرعية من تعارضهم، لا بل وتلغيهم تماما بالوقت الذي تقول بأنها "تحارب الإلغاء". فهي ترفض وتتهرب من كونها تمردا مدعوما وربما مبتكرا من الغرب، ولا تستطيع بنفس الوقت إثبات أنها معارضة لأن ذلك له تبعات سياسية لا تريد، أو ربما لا يراد لها أن تتحملها.

  هناك مفارقة أخرى دأبت تلك "المعارضة" على وضعِ نفسها فيها، وهي ادعاؤها المتكرر بأنها "تمثل الشعب السوري كاملا" وهنا أيضا تتضارب وبصورة صارخة مع حقيقة اجتماعية سياسية وهي أن المعارضة تمثل شارعا ما، يعارض قوة أخرى تمثل شارعا آخر. ثم من هم هؤلاء الملايين من السوريين الذين يعيشون ويعملون وينشطون في كنف الدولة السورية ومعها؟!!. من هنا وكبديل عن هذه الطروحات، وكحل تخيلته شخصيات هذه "المعارضة" للالتفاف على تلك المعضلتين، وتاليا وبصورة أهم لها، مسألة العمل المسلح من أجل إحداث تغيير سياسي، أطلقوا مصطلح "الثورة" و"الثوار"، وزعموا أنهم يقودون هؤلاء. فإذا هم ثوار، فكيف للثائر أن يثور من فنادق الخمس نجوم في عواصم العالم!! وكيف له أن لا يطأ أرض "الثورة"؟! ثم والأهم من هذا وذاك، ما تطرحه عليهم الدولة السورية من استحقاقات وربما إرهاصات بالنسبة لهم، ألا وهو التفاوض والهدنة وما إلى ذلك من تفرعات الحل الديبلوماسي، الذي يؤكد عليه الجميع، وتعلن الدولة السورية قبولها ودعمها له، فيما يُحرَج الآخرون في القبول أحيانا وفي الرفض أحيانا أكثر، فقبول التفاوض وما يترتب عليه من اتفاقات، يضع المتفاوضين أمام مسؤوليات مباشرة على الأرض، فمثلا يتم إيقاف إطلاق النار من قبل الدولة السورية خلال دقائق وعبر الأطر والقنوات الشرعية البسيطة، وبإصدار أمر من القائد العام، فيما تغرق الميليشيات والعصابات المسلحة بفوضى أغراضها المختلفة، وعدم انسجامها، وعدم نضجها ومشروعيتها سياسيا وشعبيا، ومن ثم تُغرِق معها هؤلاء الذين يدعون السيطرة والقيادة، فيستمر إطلاق النار والاعتداء على الجيش العربي السوري، وعلى الأحياء والبلدات الآمنة، دون أدنى سيطرة من أحد على المتمردين.

  إن من أنشأ هذه "المعارضة" كتشكيل أو كحالة سياسية، وحتى اجتماعية وإعلامية، وهيأ لها الظروف والأجواء، كان قد رسم لها هدفا واحدا هو إثارة العنف وتشكيل تمرد، أو لنكون أكثر دقة أكثر من موقع لتمرد عسكري مسلح ضد الدولة السورية، وهنا خدمة لعدد من الأهداف المتتالية في جدول أعمال وخطة الطرف المهاجم لسوريا، وبصورة تكتيكية متتالية، فإذا سقط هدف عبر فشله أو حتى عبر النجاح بتحقيقه، يتم الانتقال إلى هدف تالي له. ولكن كل تلك الأهداف لم تكن عسكرية عنفية تدميرية فقط، وهنا مكمن الأسى والهزيمة الجامعة لكل السوريين، ولكنها كانت أبعد عمقا في تدمير المجتمع وبنيته المعرفية والأخلاقية، وحتى شخصيته السياسية التي تعرضت لتشويه بالغ الأهمية. كما وأنها كانت تخدم وبوضوح كل التكتيكات السياسية الغربية، وتقدم لها المادة الخام لممارسة الضغوط أو لمحاولة إبرام الصفقات والاتفاقات مع المعسكر الشرقي المدافع.

  إن التطورات وبما فيها الصمود السوري كدولة وكمجتمع، ساهمت في تعرية هذه "المعارضة" وكشفت ماهية المأزق الذي وضعت نفسها فيه، ومنذ اللحظة الأولى، فلا هي حققت شيئا من مبتغاها، كما وأنها حرقت نفسها ولم تعد تستطيع أن تحتل لها أي مكان في مستقبل سوريا، فوقعت في ما أرادته للآخرين.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s