الرئيسية \
2018/06/11 عين سورية
انقراض الامبراطورية
الكاتب : يزيد جرجوس

إنها حقيقة تاريخية تلك التي تتحدث وتحتم تراجع الإمبراطوريات إن لم نقل سقوطها، والذي ينتهي بانقراضها. في عصرنا هذا هناك عدد من الإمبراطوريات بالشكل شبه التقليدي، ولكن تتصدرها إمبراطورية وحيدة، خاصة بالمعنى الإمبريالي الذي يحمل الكثير من مواصفات افتعال قوة الأمة على حساب النشوء والتراكم الطبيعي للأمم العظيمة.

الصين مثلا، والتي وإن حملت بذور التراجع في صلبها نتيجة تكوُّنها الإمبراطوري، ولكنها تبقى محمية نوعا ما بعوامل التاريخ والتراكم الحضري، كما أنها ما تزال تعيش طورها الأول في نظام الحكم، أي أنها امبراطورية فتية. بينما تبقى القوى الأكثر بعدا عن تاريخية التشكل المريح، أكثر عرضة لعوامل التفكك والانهيار، خاصة تلك التي اجتازت طورها الأول والثاني ربما، ودخلت في المرحلة الثانية أو الثالثة والأخيرة من نظام الحكم فيها، والتي تتسم بتآكل الهيبة. ويهمنا البحث هنا في روسيا وأميركا.

يشرح كبار المنظرين في الجغرافيا السياسية أن روما في طورها الثالث، أو ما يسمونه "نظام الحكم الثالث فيها" والأخير، انتقلت من مرحلة الهيبة دون تدخل(النظام الأول) الى الحاجة للتدخل فالتوسع(النظام الثاني)، ومن ثم الانتقال إلى الدفاع(الثالث) وهنا بدأ تزايد عدد الذين لا يخشون روما، أي فقدت هيبتها، ودخلت عصر التحلل ثم الانقراض.

إن امبراطورية الاتحاد الروسي استطاعت، وفي عملية استراتيجية تاريخية نادرة، والتي لا نعلم إن كان بوسعنا وصفها بالأمر المخطط له، استطاعت وراثة الاتحاد السوفيتي العظيم، والذي شاخ وانهك دون قتال (إذ لم تكن حرب أفغانستان تقاس لحجم الامبراطورية) في زمن قياسي سريع، ربما لأنه بني على قاعدة التوسع، فاستطاعت روسيا الاتحادية أن ترثه بطريقة أعادت للامبراطورية شبابها، وبدت وكأنها تعود للطور الأول من عمرها، قبل أن تضطر سريعا للتوسع والتدخل مباشرة وعسكريا داخليا في الشيشان، ثم في دول خاصرتها الغربية (جورجيا وأوكرانيا) وبعدها في خاصرتها الاستراتيجية الأهم في العالم سوريا، والتي كانت قد دعمت سيادتها وموقفها الاقتصادي عموما بصورة تقيها قدر الامكان من الهزات الجيوسياسية المفتعلة التي كانت قد بدأت أولى تشققاتها تظهر بداية القرن الحالي مع "الثورات الملونة"، وربما قبل ذلك بكثير عند انهيار جدار برلين، لتدفع روسيا مجددا إلى التقدم في العمر نحو نهايات طورها الثاني قريبة جدا من نهايته، يقبها من ذلك حتى الآن، الفرصة الكبيرة للتنمية والنهوض الاقتصادي والسمعة والهيبة السياسية والعسكرية التين مازالتا في مرحلة التعافي والازدياد، مما يؤجل شيخوخة الامبراطورية العريقة جدا.

حديثنا عن "التوسع" ينطلق من حقيقة الإمبراطوريات، التي تصل بها كلها إلى مرحلة التوسع العسكري وغير العسكري للحفاظ على نفوذها، ولتطويره ربما حيث يشكل الجمود وحده هاجسا، يتم القفز عليه بسياسات التوسع، حتى ولو على حساب افتعال الأزمات وليس حلها فحسب. ولكن هذا التوسع بحد ذاته سيعود ويقود الأمة الإمبراطورية إلى التحلل. يقول ياكوب جريغل "إن نعمة العزلة الجغرافية، يجب أن لا تبدد بسياسات توسعية"، فماذا عن الولايات المتحدة المعنية والمقصودة بهذا الكلام.

بداية القرن كانت الولايات المتحدة تعيش حالة تراجع هائلة في السمعة مع تنامي الحقد والتململ من سياساتها، وارتفاع معدل العداء تجاهها، مع دخولها عمليا بنادي الدول المهددة اقتصاديا بسبب ارتفاع رقم الدين السيادي عن اجمالي الناتج العام (وهي حالة تعيشها اليوم معظم الدول الغربية والخليجية، عكس روسيا والصين ومعظم دول شنغهاي او بريكس). اي انها كانت تهم بالفعل وبشكل مؤكد، بالدخول في المرحلة الثالثة والأخيرة من عمر الإمبراطوريات، خاصة وبعد عشرات التدخلات والحروب العسكرية التي خاصتها خلال القرن العشرين، وانتشار جيشها بشكل غير مسبوق في كل اتجاهات الكرة الأرضية، فماذا حدث!!

بدأت الولايات المتحدة بتنفيذ خطتها الرامية إلى استعادة الزمن، والعودة نحو النظام الثاني، عبر كسب المؤيدين من جهة، والوفرة المالية من جهة أخرى. ابتداء من أحداث ١١ ايلول بدأ العد العكسي للعداء تجاهها، فبدأت ترهب الحكومات وتستميل شرائح واسعة من الشعوب، ثم وبعد أن قامت باحتلال افغانستان والعراق خدمة لذلك، وخاصة في شق الترهيب والجني (نفط العراق) التهيئة للصدام السني الشيعي، والذي أكسبها شعبية على عكس ما قد ينتظر من عملية الاحتلال بحد ذاتها، وصولا إلى "الربيع العربي" وقبله وفي نفس السياق موجة الثورات الملونة، واغتيال الحريري في لبنان. كل تلك الأحداث أعادت للولايات المتحدة بريقا ما على المستوى الشعبي العالمي، حيث استرجعت شرائح واسعة، وبصورة درامية وصلت حدود السريالية في كثير من الأحيان، كما حدث مع اليمين الإسلامي في الدول العربية والدول المحيطة بها، حيث سقطت الضحية في عشق قاتلها.

ثم جاء ترئيس أوباما كرافعة للحالة اللاعنصرية، وبعده رُئِسَ ترامب ليكمل بقية المهمة، فهو يقوم بأوسع عملية لجني الأموال، التي ستستخدم بشكل أساس لإعادة صياغة مخزون من القوة الاحتياطية القادرة على إعطاء هامش المرونة المطلوب تقنيا ولوجستيا لاستعادة هيبة الإمبراطورية الاميركية، الأمر الذي ومع استعادة الشعبية يمثل حقا عودة بعمر الامبراطورية إلى الوراء.

ولكن الصورة الاستراتيجية اليوم (خلال السنوات القليلة الأخيرة) توحي ربما بفشل هذا المجهود، أو على الأقل احتدام المواجهة بين حالة التآكل وبين استعادة الشباب.

إن تآكل الولايات المتحدة بدأ يظهر للعلن سياسيا مع إسقاط المقاتلة الإسرائيلية في جنوب سوريا، والذي نظن أنه كذلك، كنقطة في رأس جبل الجليد، لأنه يتزامن مع عدد من التطورات بالغة الأهمية تشكل ظواهرا في المشهد الدولي، بدأت بدخول وفدي الكوريتين في الشتاء المنصرم إلى حفل افتتاح الأولمبياد الشتوي بوفد موحد، وكل ما تلا ذلك من لقاءات وتقارب جمع المسؤولين في الكوريتين وصولا إلى قمم القيادتين. كوريا الشمالية هي التي قال عنها كبار المنظرين السياسيين في واشنطن "لو لم تكن موجودة لكان علينا اختراعها" أي أن السير في التقارب بين الشقيق

الشقيقتين هو حكما في عكس رغبات ومخططات الإدارة الأميركية التي تُحكم القبضة على إقليم اليابان وكوريا الجنوبية (غرب الهادي) انطلاقا من "وجود كوريا الشمالية".

 

من الظواهر بالغة الدلالة تعالي صوت التشكي الأميركي من "تدخلات روسية" في عدد من المجالات في الوضع الأميركي كالانتخابات الرئاسية والإعلام. هذا التشكي والذي أيضا يترافق مع المزيد من الثقة في سلوك الإدارة الروسية، والذي تثبته الأدوار الروسية المتعاظمة ليس فقط في حل الأزمة السورية الحليفة، ولكن حتى في المجال الاستراتيجي الأميركي، فنجد كل من تركيا وإسرائيل وهي تعطي تلك الأولوية للتنسيق مع روسيا، وذلك يسير باطراد. (نتنياهو زار موسكو سبع مرات خلال عامي ٢٠١٦-٢٠١٧). كما أنه غير خافي انخراط تركيا في كل الترتيبات التي أنجزتها روسيا في المسألة السورية( استنة. سوتشي. مناطق خفض التوتر.. قمم ثلاثية.. الخ)، سورية التي تشكل عنوان التفاهمات التي تقيمها تركيا حتى مع طهران الخصم الآخر للولايات المتحدة إقليميا. إن تركيا والكيان الصهيوني أبديتا المزيد من الانخراط في الوسط الاستراتيجي الروسي، بعيدا عن الأميركي، وفي زمن ارتفاع حدة العداء بينهما.

ظهور هذه التحولات في السياسة الدولية كان له مقدمات أيضا بالغة الدلالة، قبل المسألة السورية، فقد كان انبراء تركيا والبرازيل سنة ٢٠١٠ للدفاع عن البرنامج النووي الايراني، وصولا إلى رفض ألمانيا وفرنسا للتخلي عن الاتفاق النووي عندما انسحبت منه أميركا منذ أسابيع. هذا كله يشكل تعبيرا عن صعود القوى المتوسطة خارج حدود التوسط، لتعلن عن نفسها مساهمة في صناعة التاريخ، شاقة لعصى الطاعة الأميركية. فهذه الدول والكيانات الحليفة تاريخيا للولايات المتحدة مثل دول أوروبا الكبرى وتركيا وإسرائيل وكوريا الجنوبية، لم تكن لتتصرف على نحو يُغضبها، لولا أنها تدرك أنه لم يعد هناك ثمة ثمنا باهظا ستدفعه لقاء ذلك، يضاهي مكاسبها من الخروج عن الطاعة.. إنها ببساطة لم تعد تخشى الأميركيين.

 

إن ازدياد معدل التصرفات غير الاستراتيجية في السياسة الاميركية مثل ابتزاز دول الخليج ماليا وبشكل علني صبياني، حتى عند الحديث حول تكتيك سياسي عسكري كالتواجد العسكري الرمزي في شمال سوريا. هذا تصرف غير رشيد سياسيا، ولا يليق بسلوك دولة عظمى، تماما كما هو إقبال الرئيس الأميركي على عقد قمة مع الرئيس الكوري الشمالي، بعد عقود من شيطنة كوريا ورئيسها من قبل الأميركيين، وفي مرحلة لم تبدي فيها كوريا الشمالية إلا المزيد من التحدي.

نحن لا نريد القول بأن "الأميركيين لا يعرفون ما يفعلون"، ولكنه بات واضحا أنه الزمن في عمر هذه الامبراطورية الظالمة، قد تقدم ولم يعد بالإمكان مواجهته بطرق فعالة جدا، والعودة به إلى الوراء.

 

  يقول ياكوب جريغل " إن نعمة العزلة الجغرافية، يجب أن لا تبدد بسياسات توسعية".

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s