الرئيسية \
2018/11/09 عين سورية
بين الحريري وخاشقجي.. ١٣ سنة، وتغيرات عالمية
الكاتب : يزيد جرجوس

قد يبدو من الغريب، وربما اللافت مقارنة جريمتي قتل رفيق الحريري في آذار ٢٠٠٥ و"قتل جمال خاشقجي" تشرين أول ٢٠١٨ . طبعا الهدف ليس المقارنة، ولكن المقاربة بالمعنى السياسي الدولي، بالرغم من التباينات في الظاهر، واعتمادا على التطابقات في المضمون، وفي التموضع الدولي للحدث.

صحيح أن الحريري كان رئيسا سابقا لوزراء لبنان، بينما خاشقجي كان "صحفيا" سعوديا، ولكن هذا في نشرات الأخبار والعناوين السهلة، أما في العمق غير المخفي كثيرا، فالرجلين كانا عاملين مجتهدين في جهاز الإدارة السعودية في الإقليم والعالم ربما. هذا الجهاز بذراعيه المالي السياسي، والإعلامي، المرتكزين كليهما على فكرة الاستثمار في الدين والطائفية حسب الحاجة والطلب، خدمة لأمور أخرى تماما. الرجلين تم الإفادة منهما لفترة طويلة من الزمن، ولديهما مواصفات شخصية ليست بالقليلة، وتخدم فكرة استخدامهما. فكل من الرجلين تمتع بكاريزما قادرة على الاستقطاب، وطبعا لا يخفى علينا تسلحهما في هذه النقطة تحديدا بهيبة الثروة السعودية الهائلة، حتى لا نقع في تضخيم شخصيهما بالذات. وعلى هذه القاعدة أيضا (الثروة السعودية وهيبتها) امتلكا شبكة علاقات دولية ومنظماتية واسعة، أعطتهما قدرة أكبر على المداورة، ورشاقة في التنقل جغرافيا وسياسيا بين المتناقضات. ومن اللافت أيضا أن الأول (الحريري) ذهب بعيدا في مهمته، وانغمس في عضويته في المحور السوري (المقاوم)، حتى قيل عنه أنه كان "وزير خارجية سوريا والمقاومة" وربما كان هذا أحد أهم أسباب قتله، فقد عبر عن صلابة في مسألة خيانة سوريا بالعموم، مع أنه كان يتصارع مع ثوابتها في الخصوص والجزئيات. كما أن الثاني أيضا ذهب بعيدا في مهمته بالانغماس في المحور التركي (الإخواني) بحيث لم يعد مشغلوه الأساسيون يضمنون ولاءه، فلقد بدأ يظهر وكأنه منظم في المخابرات التركية، وبالتالي يكون هذا ربما أيضا أحد أهم أسباب قتله.

بين جريمة قتل رفيق الحريري وبين جريمة قتل جمال خاشقجي، ١٣ سنة، حدثت فيها تغيرات مذهلة على صعيد السياسة الدولية، وتوازن القوة والفعل والتأثير، تحديدا بين العالمين "الغربي" الآيل للتراجع، حتى لا نقول السقوط، و"الشرقي" الذي يخطو بثبات نحو الصعود والسيطرة.

العامل المشترك في الجريمتين واضح لا حاجة للشرح فيه، وهو الابتزاز السياسي.. الذي يؤشر أيضا وبوضوح على الفاعل المستفيد، ولكن طبعا بالتحليل والاستنتاج، وهو الصهيونية العالمية. ولكن الفرق الكبير في محور الابتزاز هو الذي يختصر وبصورة تجريدية، حجم ونوع التغيرات العالمية آنفة الذكر.

ففي ٢٠٠٥ وجه الاتهام إلى سوريا وبعض من أركان العالم الشرقي الجديد الصاعد، من أجل ابتزازه والتحضير للانقضاض عليه من نفس الركن. الأمر الذي حدث بالفعل في ٢٠١١ ولكن قدرة هذا العالم على الصمود واستيعاب الهجوم، وقلبه، أدت إلى أنه في ٢٠١٨ تتم الجريمة والابتزاز اللاحق لها، على أرض محور الصهيونية، وبين جمهورها وعناصرها، هي فحسب. معلنة استمرار تكسر المعسكر الصهيوني على ذاته من الدوحة الى الرياض الى انقرة فواشنطن وتل أبيب.

إن هذا التحول البيّن في تموضع الجريمة، واستغلالها هو أحد أهم مؤشرات تشكل العالم الجديد. والذي نقرأه على هوامش جريمة قتل الخاشقجي والابتزاز الحاصل بناء عليها، والذي من المؤكد أنه لا يرتبط بها على الإطلاق إلا من ناحية استخدامه لها، ولكننا أيضا لا نرغب باختزال المسألة، والسقوط في فخ التبسيط والتفسير المبني على معنوياتنا فحسب، فما يحدث في الغرب وعلى ضفافه الشرقية، لا يمكن أن يكون عفويا أو صادرا بالصدفة. كما أنه نادرا ما يكون خطأ، برغم كونه خاطئ. فماذا لو أن السعودية خرجت من الأزمة( بالتضحية بأحد رموز عائلة سعود، أو لا) بمساعدة أميركية، وعلى خلفية إسرائيلية مؤشراتها واضحة لجهة إعلان عدد من الساسة في الكيان، تعاطفهم أو تأييدهم للسعودية هذه. وفي المقابل فإن السعودية كشارع وكعائلة حاكمة تعيش حالة من التربص المتبادل مع عدد من الدول والشعوب في المنطقة مثل قطر واليمن وتركيا، وأيضا سوريا والعراق. فلكم أن تتخيلوا مدى التواجد النفسي المريح لإسرائيل لدى السعوديين، في مقابل ذلك التربص.. الأمر الذي يشي بالمزيد من التقارب العلني والتوافق بين الكيانين، وعلى مستوى شعبي أكبر انطلاقا من هذه "الأزمة" مثلا.

كان ترامب نفسه قد تحدث عن عدم نيته التخلي عن السعوديين كونهم "كانوا سندا وخاصة في مسائل تتعلق باسرائيل ومولوا الكثير من الأمور".

ولكن هذا ليس كل شيء، فلدينا أيضا تصريحات للرئيس الروسي حول قناعته "ببراءة العائلة الحاكمة السعودية" وهنا تعود بنا الصورة إلى ما يشبهها حين تحدثت الكثير من التسريبات، عن "مساعدة روسية أو إنقاذ لأردوغان من محاولة الانقلاب" الأمر الذي يعني أمرين اثنين على الأقل، أولهما هو احتكال أن ينتقل محمد بن سلمان في حال صحت المقاربة، إلى مرحلة جديدة من التصفية لمعارضيه في مملكته، داخل العائلة وخارجها، وانطلاقا من موقف كل هؤلاء خلال أزمة خاشقجي. وثانيهما هو المزيد من احتواء روسيا للمزيد من عناصر وأذرع الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، بصورة درامية لافتة للنظر.. فبعد انقرة وتل ابيب والدوحة، ها هي الرياض قد تدخل أكثر في المدى الاستراتيجي للاتحاد الروسي العبقري في السياسة وصناعة الأسلحة أيضا.

يبقى الجامع بين الأمرين الأخيرين، والذي يعطيهما ذلك البعد المنطقي بالنسبة لدول العالم الشرقي بنا فيها نحور المقاومة، ألا وهو أن السعودية مع بن سلمان هي أضعف ومنقسمة أكثر، تماما كما كانت تركيا مع أردوغان، وبهذا يكون الروسي يتحصل على "حلفاء واشنطن" أو أدواتها، ويصنع منهم كيانات أكثر ضعفا، وقابلية للاستخدام.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s