الرئيسية \
2017/08/23 المعـــــــادلة الصـــــــعبة
الأزمة الخليجية.. صراع جديد أم تزكية لصراع مطلوب
الكاتب : يزيد جرجوس

    في قراءتنا لمشهد "المواجهة" الخليجية القطرية اليوم، تتبادر للإنسان العربي المتابع، كاتبا كان أم متابعا عاديا، كمية من المشاعر لا بد لها من أن تتظاهر على شكل ردود عاطفية قد تأخذ شكل السرور أو الشماتة أو حتى الغضب، والتي جميعها لا تحتل مكانة ما تفيد أو تضيف شيئا إلى واقع الحال العربي، والذي وحدها الدراسات المتعقلة، والتحليلات المنطقية والمرتكزة على الوقائع والتجارب، هي التي تفيد وتغني في فهمها.  تماما كما هو الواقع العربي، الذي لا ينفع فيه اللوم والحزن والغضب، أو حتى الانهزام واليأس والهروب منه لجلد الذات وتأنيبها، ولكن الفهم والتعلم والتخطيط والجد. تلك هي الروافع التي تفيدنا، ولسوف ننهل منها ما نستطيع. على ذلك يمكننا أن نعزل كل مشاعرنا من الحدث الخليجي كما يبدو، أو كما أريد له أن يبدو، لنفهم أغراضه، ونتائجه التي تتراكم، ونقيمها بالسلب والإيجاب.

  بداية لا يمكننا أن نتوقع لأي خلاف عربي أن يكون "إيجابيا" حتى ولو بدا أنه يلبي مشاعر الغيظ والانتقام، أو حتى الرغبة برؤيته "كباب لانتهاء أزمة أخرى" كالأزمة السورية أو الليبية أو اليمنية، أو أي من المصائب التي طالت مجموعة من الدول العربية، إبان ما سمي "بالربيع العربي" والذي كان مدفوعا بشكل قوي وواضح من تلك الدول الخليجية، والتي كان الجميع ربما ينتظر أن يرى رياح التغيير الإيجابي تنطلق من فضاءاتها، وليس العكس، حتى نتفاءل بتغيير حقيقي في المنطقة العربية، يحمل طابع انتشار الانفتاح وإعطاء قيمة وحرية للإنسان، وتحقيق التنمية البشرية والاقتصادية، مستتبعة بالتوزيع العادل للثروة. ولكن أيا من ذلك لم يحدث، وبدأت الدول الخليجية تغذي نار الفتنة والحرب في كل الدول المستهدفة، لا بل انتقلت إلى شن الحرب مباشرة على دولة عربية كانت تهم بالخروج من وهم "الربيع العربي" حتى دمرتها بالكامل ودون أي رادع مصلحي أو أخلاقي، أو حتى استراتيجي. وبدا سلوكهاكتحقيق رغبات وتوجهات الناظم الأميركي الضابط لكل إيقاعات السياسات الخليجية منذ عقود، لم نعرف خلالها أي استقلالية في القرار الخليجي، حيث رأينا دول الخليج تنتقل من الصداقة إلى العداء مع إيران، ثم إلى العداء ومباشرة للصداقة وثم مجددا للعداء مع العراق، وبصورة درامية تكاد تكون هزلية بعض الأوقات، ولا تحقق إلا تطبيق الخطة الأميركية في ابتكار الصراعات في المنطقة، وتغذيتها وإدامتها واستثمارها حسب الحاجة والمصلحة الغربية.

  اليوم نرى الدول الخليجية وفجأة ودون سابق إنذار، خلا بعض المهاترات السسياسية أو العائلية، تنام حليفة شقيقة شريكة لإحداها (قطر) وتصحوا "عدوة لدودة" مقاطعة، لا بل محاصرة حتى درجة العقوبات ومنع الطيران وقطع الطرق برها وبحرها!! فما الذي حدث؟! وكيف كان الوضع قبل ساعات فقط على غير حال؟! بالوقت الذي لم تبادر فيه قطر لأي "فعل" جديد أو موقف مفاجئ. كل ما حدث أن تصريحات ما نسبت لأمير قطر، خرجت قطر كلها تنفيها وتتسحب منها، وتؤكد على العلاقات الأخوية والشراكة مع أشقاءها الخليجيين، دون طائل أو حتى التفاتة لكل ذلك. لا بل انتقلت الدول الخليجية برئاسة السعودية، ومباشرة لتسريب المطالب، التي أصبحت بعدها علنية وللتداول والتشاور، وتبادل التهم، والتي هي وحدها، وما دار ويدور في فلكها، تشي وتخبرنا بما يدور في رؤوس مخططي "الأزمة الخليجية" وليست تصريحات شيخ قطر، والتي نفاها وتبرأ منها.

تبدأ الطلبات أو الشروط الخليجية بإيران، حيث أتى المطلب الأول والذي تصدر حلقات البث الفضائي لساعات وساعات، موضوع "قطع العلاقات مع إيران". من ثم يأتي مطلب "طرد أعضاء حماس والمنظمات الإرهابية، وحظر التعامل معهم" هذان شرطان ينضحان بالصهيونية ومسايرة الكيان العدو، الذان وحدهما يضعان هتين الفكرتين، في أول سلم استراتيجيتهما في المنطقة والعالم، خاصة إذا انتبهنا لتفصيل "والمنظمات الإرهابية" في الشرط الثاني، والذي يخرج بنا من حماس التي لم تعد تشكل مشكلة حقيقية لحلف الصهاينة، بعد أن كشرت عن أنيابها وأوضحت احتمالات دورها الحقيقي في المنطقة، بالأفعال وليس بالأقوال، بدأ من قسم الشارع الفلسطيني، وانتهاء بالتآمر على قلب العروبية النابض في دمشق، وكل ما حمل ذلك من خيانة وقلة وفاء، إضافة "لقصر الرؤية" الظاهر. فجملة المنظمات الإرهابية تشي وبوضوح إلى النية بضم كل مقاوم في المنطقة إلى هذه السلة وبالتالي شرعنة الاعتداء عليه وحصاره، وهذا يبدو جليا في سلوك دول الخليج تجاه حزب الله اللبناني.

بالانتقال إلى بقية الشروط، نرى منها ما هو ذو نكهة خليجية تنطلق من المكائد الضيقة، وتصب في تصعيب مهمة التسوية، إذا كان هناك من رغبة فيها، فمطلبي "إغلاق قناة الجزيرة، وتقديم اعتذار رسمي للحكومات الخليجية"، يبدوان وهما ينضحان بالرغبة في إذلال قطر ، أو إعطاءها "المبرر الأخلاقي" الكافي لرفض المطالب جملة وتفصيلا. فالجزيرة تعتبر الذراع الأقوى على المستوى الشعبي لدويلة قطر، وتقديم الاعتذار الرسمي يصرخ بالإهانة المتعمدة، ونحن نقرأ هذه التكتيكات بعمقها، وليس بشكلها المعلن على أنها "طريق للمصالحة".

  بقية الشروط تكاد تكون تكرار وتوكيد على بعض مفردات الشروط الأربعة الأولى، كمثل "وقف دعم الحركات الإخوانية" و"عدم ممارسة سياسات تتعارض مع سياسات الدول الخليجية" الخ. وهذا كله يصب في تلك الرغبة إما في تنفيذ الأجندة الأميركية، والتي سنبحث في تشكلاتها، أو التضييق على قطر، وقصقصة أجنحتها كما هو شبه معلن، ويكاد يضمر أكثر بكثير كثير. فالعناوين التي توضحت خلال الأسابيع والأشهر التي عاشتها تلك "الأزمة" حتى الساعة تشي وبوضوح بالنسبة لنا، بمخرجات أربعة ذات قيمة كبرى بالنسبة للسياسات الأميركية في المنطقة، تبدأ بمحاولة إعطاء التبرئة دول كالسعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن، التي ذهبت جميعها في دعم التطرف في العالم أجمع، والاقتتال في دول المنطقة العربية، عبر تنشئة الفكر المتطرف، ومن ثم دعم وتمويل الجماعات الحاملة له، إضافة إلى كمية الإعلان الهائلة التي سخرت لهذه الأغراض، أو سمح لها بأن تكون، بمقابل التضييق وعزل الإعلام المنفتح أو المواجه. ثم ننتقل إلى المُخرج الثاني، والذي هو المزيد من الأريحية في إعلان العلاقة، أو التقارب مع "إسرائيل" حيث صار الحديث عنها أكثر، وصرت تجد "محللين" و"سياسيين" خليجيين يتحدثون علنا وعلى قنوات رئيسة عن أن "التدخل الإيراني في المنطقة يدفعنا إلى التقارب مع إسرائيل"، وهنا لن نغوص كثيرا في التعليق على كون إيران هي المكون الطبيعي في المنطقة، والكيان الصهيوني هو الدخيل غير الموضوعي، ولكننا نجد نفسنا من خلال هذه النقطة نصل إلى المخرج الثالث وهو المزيد من شرعنة العداء مع إيران، عندما يتم تحويل العلاقة معها إلى "سبب" رئيس في الخصومة بين الأشقاء. فهذا هو باطن الكلام في اشتراط قطع العلاقات مع إيران، وليس قطع العلاقات بحد ذاته، فهنا يتم إذكاء روح العداوة وتبرير لهذه الروح، في المنطقة. أما رابع المخرجات فهو أكثرها وضوحا، لدرجة أنه بدا مُدخلا أيضا، ألا وهو إعلان العداء مع المنظمات المقاومة وتاليا الفكر المقاوم، وتم اختيار حماس ككبش الفداء في المسألة، لأنها ذات "جسد لبيس" كما يقال، وهي تكاد تكون الحلقة الأضعف من ناحية الشريحة الشعبية الواسعة التي لن تجد "ضيرا ما" في محاصرة حماس، إن لجهة المناهضين للإخوان المسلمين التي تنتمي لهم حماس، وهم كثر، أو لجهة المؤيدين لسوريا التي خانتها حماس وهم أيضا كثر. ونحن هنا لا نحزن على حماس، وهي سقطت أكثر بكثير من أن تؤثر مشاعرنا فيها، ولكننا نقرأ بحذر ما هو وراء أكمة عزل أو وضع حماس في زاوية العدو، لأنه سيتم بالتأكيد وضع كل الحركات والتيارات المقاومة الفلسطينية لاحقا خلفها، وهذا ما كان حدث بالفعل وقبل ذلك مع المقاومة اللبنانية.

  أما للغوص في أهداف المخطط الأميركي من وراء "الأزمة الخليجية"،  والتي تتعدى كونها نواتج مباشرة عن الحدث بحدود مدروسة واضحة المعالم، كالتي اجتهدنا في محاولة قراءتها سالفا، إلى كونها ما بعد النتائج في الصورة التجميعية الكبرى لشكل العالم "ما بعد الحداثي" الأميركي، والذي أعلن عن عنوانه أكثر من رئيس أميركي منذ ما قبل القرن العشرين حتى "قدرنا أمركة العالم"، فيما أعلن عن فحواه جورج بوش الإبن ومن ثم كونداليزا رايس خلال العقد الماضي عندما صرحا عن "ولادة الشرق الأوسط الجديد" و"مشروع الفوضى الخلاقة". إن مرتكز فكر ما بعد الحداثة هو فكرة "تكسير الفضاءات" وتحطيم كل العناوين الجامعة والمشتركة، أو ما يسمى بالمسلمات. فالمراقب لفضاءات الحوارات والنقاشات على مستوى الشارع العربي إن في المؤسسات السياسية أو في وسائل الإعلام، وكذلك وبصورة واضحة في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكنه وبسهولة مشاهدة هذا التنافر والتضارب المتزايد في التوجهات والميول، وحتى الولاءات والانتماءات. هذا التضارب والتفكك طال الحاضر والمستقبل وحتى التاريخ وعناوينه وشخوصه، وكل ما يدور في فلك العناوين والمشتركات، فصرت لا تجد عنوانا واحدا يجمع حتى ضمن أضيق الشرائح والتكوينات الاجتماعية. وتأتي الأزمة الخليجية أيضا في هذا الإطار التقسيمي وبصورة واضحة، فحتى هذا الشارع الخليجي، وما يدور حوله من شرائح عربية مثلا، بدأت تتكسر فيما بينها وعلى نفسها، حول عناوين هذا "الصراع" ولنأخذ مثلا ما سمي "بالمعارضة السورية" بشقها الذي أسس وبني في أجواء ورعاية خليجية، نجدها اليوم تنقسم وتتواجه فيما بينها بناء على خيارات جديدة أضيق في الولاء لهذه الدولة الخليجية أو تلك، فمن يقيم في الدوحة أو يمول منها، سيجد نفسه في صدام مع السعودية، ومع "المعارضة" التي تتبع وتتمول من السعودية، والعكس أيضا، فيما يبدو كمحور أساس من محاور

  في النهاية إن من يعزلون قطر اليوم هم نفسهم من حاربوا سوريا وليبيا والعراق واليمن بالأمس.. وهذا وإن كان لا يضع قطر في صف وكفة الدول المعتدى عليها، لا يغير من موقع وتموضع الدول التي تقوم اليوم بمقاطعة ومحاصرة قطر. فهذه الدول هي التي ترعى وتغذي وتروج لكل التنظيمات والتيارات المتطرفة ، والتي تعمل على تفتيت المنطقة وهدمها، كذراع طويل لتنفيذ المخطط الصهيوني آنف الذكر وملعونه "الفوضى الخلاقة".

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2017 United Websites Network Of ulworld
s