الرئيسية \
2017/11/16 المعـــــــادلة الصـــــــعبة
استقالة الحريري، قراءة نحو الخلف
الكاتب : يزيد جرجوس

لم يكن مفاجئا أبدا برغم التوقيت اللافت، استدعاء سعد الحريري إلى السعودية وتلاوته لبيان سياسي سعودي قدم فيه استقالته. فذلك أتى ضمن سياق لفظ الهجوم على سوريا لأنفاسه الأخيرة، وهذا ما يبدو أنه حجر الزاوية في قراءة المشهد السياسي الإقليمي، والذي يَلزَمُنا أن نعود به قليلا إلى الخلف ونلتقط المحطات والتطورات التي أوصلت الحريري أساسا إلى رئاسة الحكومة مفتتحا مرحلة جديدة ومهمة من "التوافق" اللبناني، ومن ثم ما دفعه للاستقالة وربما محاولة نسف تلك المرحلة.

  بداية فإن البيان الذي تلاه الحريري وإذا ابتعدنا عن لغة الجسد وإشاراتها، حمل جملة من المعطيات الإقليمية والتي لا تعني أو لنقول على وجه الدّقة، ليست من اهتمامات حكومة دولة مثل لبنان، فمواضيع البحرين واليمن والعراق وغيرها، وإن مثلت هاجسا عربيا لكل مواطن عربي ولكنها ليست مرتكزا لسياسة دولة كلبنان، وحكومتها لا تبني سياساتها بناء عليها، فذلك قد يكون موضعا لاهتمام الدول الإقليمية والقوى العظمى، والتي وإن ركزت اهتمامها على تلك القضايا ولكنها بالتأكيد لن تقوم بتغيير حكوماتها بناء عليها. ثم وبالحديث عن الشأن الإقليمي كان لافتا جدا أن "بيان الحريري" الذي غاص فيه، ولكنه لم يتضمن إشارة لانتهاك "إسرائيل" اليومي لسيادة لبنان، أو لاستمرارها في احتلال أراضيه، ما يشكل بالفعل مؤرقا وسببا لإطلاق صرخة ما من الحكومة اللبنانية، غير استقالة رئيسها من خارج أرضها بالتأكيد. ولكن ذلك يثبِّت أيضا ماهية البيان السّعودية على أقلالتقدير.

نحن لن نذهب في حديثنا مذهب البحث في نوايا سعد الحريري وحقيقة إجباره من عدمه، من قبل القيادة السّعودية المستجدّة، فذلك أمر لا يعول عليه كثيرا، وقد لا يعني أيضا الكثير خلا كونه قد يشرح بعضا من آليات الصراع الداخلي على السلطة ضمن العائلة السعودية، والذي لابد من أن الحريري محسوب على بعضها ضد بعضها الآخر، ولكن ذلك وحده لم يكن ليشكل شيئا بينما نعتقد أن التطورات السياسية المتسارعة في المنطقة، هي ما سبب ويتسبب بمثل هذه الإجراءات كرد أو كمحاولة للرد، على المستجدات، أو حتى كوسيلة للتأثير لي سير الأحداث أو صناعتها، كافتعال  الصراعات أو إعادة إحيائها.

اذا عدنا بالقراءة إلى الآلية والظروف التي أوصلت الحريري لرئاسة الحكومة، يمكننا أن نتذكر بوضوح أجواء اللاوفاق  وعدمالتفاهم التي سادت لسنوات قبل أن يخترقها الحريري، ويكسر جمود حالة عدم انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، عبر ترشيحه غير المتوقع والمفاجئ للعماد عون، وهو من الخصوم السياسيين الواضحين للحريري وكل القوى المتحالفة معه. فكيف حصل ذلك؟!

إن أهم التطورات التي دفعت بالحريري وقتها للقيام بتلك المبادرة كانت تراجع شعبية الشاب، وبزوغ ظاهرة المنافسين الذين خرجوا من قلب عباءة تياره، ليشقوا عصى الطاعة والتبعية، ولينتقدوه علنيا وعلى شاشات التلفزة كما فعل خالد الضاهر، لا بل وليتحدوه انتخابيا كما فعل الرجل الأكثر خطورة على الحريري لجهة الزّعامة، ألا وهو الزعيم المستجد أشرف ريفي. في تلك المرحلة ونتيجة تزايد معدل التطرف والميل الشعبي لدى شارع المستقبل باتجاه ريفي ومن ينظِّرون معه وحوله للمزيد من التشدد في العلاقة مع المقاومة وحلفائها، أحسَّ سعد الحريري بأن فرص بقائه في المشهد السياسي كزعيم بدأت بالتآكل، وحظوظه بتسويق نفسه أمام مرجعيته السياسية والمادية في الخارج أخذت بالتراجع، لم يجد له مخرجا سوى القفز إلى مركب التفاهم مع الخصوم، وهم كانوا ومازالوا في أشد الحاجة لذلك، فقرر الانتقال[1] إلى صيغة التفاهم معهم، وبهذا تقدم على منافسيه الصاعدين، وأعاد لنفسه رونق الجلوس في صدارة مقاعد المرجعيات الطائفية الحاكمة في لبنان. كل هذا من جهة سعد الحريري وبالشكل يبدو منطقيا وصحيحا، ولكنه يشكو من نقص عنصر هام في المسألة لا يمكننا تجاهله، أو تخيل المشهد خارجا عنه، ألا وهو الدور السعودي في المسألة، إذ لا يمكن تصور مثل هذه الخطوة السياسية الكبيرة بمعزل عن التأثير بل وبرأي الكثيرين "القرار" السعودي. هنا تحديدا يمكن فتح باب الاجتهاد في فهم طبيعة المداخلة السعودية، فهل كانت بموقع المتلقي فقط لتمرد الحريري على نهجها السياسي، إذا لم نقل "قرارها"، وبناء عليه قررت امتصاص الصدمة ومن ثم التهيئة لجلب الحريري إلى الرياض ضمن خطة "إعادة ترتيب بيت سعود" التي كان يُعمل عليها أساسا وبالتأكيد، أم أنها كانت موافقة على تلك الخطوة مرحليا، من أجل استثمارها بوقتها بصورتها كإثبات على دعم السلم والتوافق في لبنان، ومن ثم إعادة استثمار الرجل عبر إجباره على الاستقالة ودفع الوضع اللبناني للصدام والمواجهة، فيصير قبول التهدئة والتوافق بين اللبنانيين فرصة مستقبلية للتازيم. فماذا حدث؟! ولماذا التأزيم وكي لا نبدوا كمن يرمي التّهم جزافا ليس إلّا.

  إن المستجد الأهم على الساحة العربية، والذي لم يكن حلف واشنطن بمكوناته المحلية تحديدا يأمل به، أو يصدّق إمكانية حدوثه، ناهيكم عن سرعته، هو هزيمة القوى الراديكالية المتطرفة في كلّ من سوريا والعراق، وبالتزامن والتّكامل.حيث بدأ واضحا أن العراق المشتت الفاشل الذي لطالما تمنّته دول الخليج، خرج من قمقم الاحتلال والضّعف منخرطا تماما في الحلف السوري الذي كانت سوريا عازمة على تشكيله قبل "الربيع العربي" والذي استهدف أساسا قتل وتدمير مثل هذه الفكرة، فكرة "الشرق الأوسط المقاوم" التي أطلقها الرئيس السوري عقب انتصار المقاومة اللبنانية على الكيان الصهيونى في العقد الماضي بدعم واحتواء سوري. يضاف إلى كل ذلك، وفي موقع بالغ الأهمية بالنسبة للحدث الاستراتيجي للمنطقة والإقليم، هزيمة المشروع الكردي الانعزالي أمام إرادة الدولة العراقية التي بدت حازمة ومتينة وجادة في منع تقسيم العراق، والذي يعتبر أيضا إصابة في مقتل، بالنسبة للمشروع الصهيوني وكل منفذيه او الخاضعين لهيبته في المنطقة العربية. إذا فإن تقدما كبيرا حققته قوى ودول ما بات يسمى بمحور المقاومة، توجب عليه، ولأنه ليس هناك تفاهمات و"صفقات" على مستوى القوى العظمى المتواجهة في الإقليم والعالم، وما تزال  معركة كسر العظم هي الثابت الذي لم تتراجع عنه السياسة الدولية، وإن كانت تسير به بإيقاع مضبوط بعيدا عن احتمالات الحرب العالمية الثالثة، التي لا يوجد من هو مستعد لدفع أثمانها. وبالتالي تم قرار رمي ورقة جديدة للاستنزاف والمواجهة، ألا وهي ورقة تفجير الوضع اللبناني، ودفع الجمهور المحسوب على السعودية والذي جهز تماما للإنفجار المذهبي، للانفلات عبر سحب تمثيله في ثلاثية الحكم القائم في لبنان، مع فتح الباب لإعادة إنتاج وتظهير القيادات المتطرفة في الشارع الذي كان محسوبا بزعامة الحريري مثل أشرف ريفي. كل ذلك مدعوما بتوقع منطقي للحلف السّعودي برد فعل مربك وتصعيدي من قبل محور المقاومة، الأمر الذى أجهضته كل ردود أفعال هذا المحور، والتي اتسمت بالاستيعاب والاحتضان، ورمي كرة الشر في الحضن السعودي.

طبعا الأمور ليست على ما يرام، والقادم ليس سهلا قيد الإفشال بسهولة، ولكنها مسألة بالغة الأهمية وتحتاج ليقظة وتخطيط كبيرين، كانت بوادرهما ناجحة ومبشرة كما حدث على لسان وسلوك الرئيس اللبناني وأمين عام حزب الله، وبقية قيادات حلف المقاومة في لبنان وخارجه، الأمر الذي دفع السعوديين ربما إلى تخفيض سقف المواجهة التي بدت في خطاب "استقالة" الحريري إلى مقابلة إعلامية مبرمجة، لا تعني الاستسلام ولكن الانسحاب التكتيكي الجزئي لمملكة يبدو أنها بدأت تطور أداء سياسيا لافتا لم تعهده المنطقة من قبل

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s