الرئيسية \
2018/04/02 المعـــــــادلة الصـــــــعبة
بؤر التوتر الداخلية إلى زوال
الكاتب : مازن بلال

سمحت معارك الغوطة باختبار الردود الدولية بشأن التعامل، بشكل حاسم مع المجموعات المسلحة، فإزاحة المسلحين من تخوم دمشق لم يكن عملاً عادياً على المستوى السياسي، على الأخص أن هذه المنطقة لم تكن جغرافية للضغط على دمشق فقط، بل شكلت مبررا في مسألة التفاوض السياسي في جنيف، وأعطت منذ سنوات «شرعية دولية» لبعض الأطراف السياسية، كي تحتكر التمثيل في منصات المعارضة، فالغوطة الشرقية مثلت مرحلة حساسة من الصراع، ليس فقط على مستوى تحكم الدولة السورية بشكل أفضل بمفاصل الأزمة؛ وإنما أيضا على مستوى التوازن السياسي إقليمياً ودولياً أيضاً، فالزوبعة الدبلوماسية التي ظهرت على مستوى مجلس الأمن انتهت عمليا مع تصريحات نيكي هايلي، المندوبة الأمريكية الدائمة في الأمم المتحدة، بأن «الغوطة سقطت»، واعتبرت أن هذا الأمر «عار» على الأمم المتحدة.

تصريحات «نيكي» ليست مسألة عابرة فهي تعبر عن نظرة جديدة للصراع، ومن زاوية مختلفة عن كافة المراحل السابقة، فهي بداية اعتبرت أن معركة الغوطة تم حسمها، وذلك بغض النظر أن مدينة دوما التي تعتبر معقلا أساسياً للمجموعات المسلحة، ومن جانب آخر حمّلت المندوبة الأمريكية الأمم المتحدة المسؤولية، ومؤشرات هذا الإعلان الأمريكي تبدو في أمرين:

 

الأول أن الولايات المتحدة يمكنها التعامل بشكل مباشر، ومن خارج الأمم المتحدة مع الصراع القائم في سورية، فهي تراه من زاوية مشاكلها مع موسكو والتنافس على إدارة الأزمات في العالم.

 

عمليا فإن واشنطن رأت في معارك الغوطة خللا استراتيجيا في قدرتها على التأثير المباشر، ورغم أنها لم تقدّم وعود للمجموعات المسلحة، ولكنها صعّدت بدرجة غير مسبوقة مع روسيا، والتقارير التي تحدثت عن إمكانية ضرب سورية، كانت اختبارا للقدرة الروسية على التعامل مع هذا الخطر المباشر، ونتائج إمكانية التماس المباشر أوضحت أن «توازن الرعب» الذي فرض نفسه خلال الحرب الباردة عاد مجدداً، وهو ما حمل الولايات المتحدة على الدخول في فصل جديد عبر مسألة طرد الدبلوماسيين الروس.

 

الأمر الثاني هو نوعية الاهتمام الأمريكي بسورية عموما، حيث ظهر الاكتفاء بالتصعيد الدبلوماسي، دليلا على أن واشنطن تملك اهتماما آخر، وأن مرحلة الضغط على دمشق من خلال المجموعات المسلحة انتهى بشكل أو بآخر، فهي لم تنتظر خروج كافة المسلحين في الغوطة لتسمح بحزب جديد في مدينة الرقة بالظهور، فحزب «سوريا المستقبل» يشكل الواجهة الجديدة للتجربة الأمريكية في الجزيرة السورية.

 

ربما يبدو تأسيس حزب جديد في سورية مسألة عابرة، لكنه في العمق يرسم خطوط الولايات المتحدة، وطبيعة عملها القادم من مدينة الرقة تحديدا التي ماتزال ركاما، وإذا كانت السياسية الأمريكية مولعة بتقديم نماذج مرنة؛ فإن هذا الحزب الجديد يمكن أن يشكل الجانب السياسي الذي تريده واشنطن لصورة سورية القادمة، فالتوازن الداخلي في مواجهة الحكومة السورية ماتزال مختلفة، في وقت لا تبدو المعارضة السورية قادرة على ملء أي فراغ سياسي ينتج عن انهيار الفصائل المسلحة، وإنتاج حزب جديد يشكل الجناح السياسي لـ «جيش سورية الديمقراطي» (قسد) يمكن اعتباره سياقا في إعادة الإنتاج السياسي لكافة الفصائل الكردية المنتشرة شرقي نهر الفرات.

 

هذه التجربة الأمريكية تمثل مرحلة للوصول إلى «إغلاق» الجزيرة السورية بشكل كامل، دون أن يعني هذا الأمر عملية تقسيم، بل خلق جناح يتوازن مع الدولة السورية عموما، وبغض النظر عن قدرة واشنطن على إنتاج هذا الأمر، إلا أنه تجربة لا يمكن تجاهلها تعيد رسم الجغرافية – السياسية لسورية بشكل كامل، فنحن أمام تشكيلات قوامها الأساسي من الكرد سواء في «قسد» أو في حزب «سوريا المستقبل»، إلا أنها تحاول تحديد ملمح جديد وعلى الأخص للنشاط السياسي الكردي الذي يقود، وبشكل غير مسبوق التحدي للتوازن مع الدولة السورية.

 

تقرأ الولايات المتحدة الواقع الكردي في سورية من منظور مختلف عن كافة الأحزاب الكردية الكلاسيكية، وهي تراه في سورية ضمن مفارقة تجمع ما بين «الطموح الكردي» في إقامة دولة، وبين دفع الولايات المتحدة لهذا الطموح كي يواجه المحور القائم نتيجة الحرب في سورية. فالهوية الكردية لا تعني واشنطن إلا بقدر استطاعة الكرد تحقيق معادلة جديدة تقطع الطريق أمام إيران لاختراق سورية بسهولة، وفي نفس الوقت لا تؤدي لإشعال العنف في تركيا تحديدا، فواشنطن لا تبحث عن حليف كردي إنما تحاول بناء واقع سياسي يمكنها الاستناد إليه بعد تجاربها الفاشلة مع «فصائل المعارضة السورية»، فكل ما حاولت إنتاجه شرقي الفرات لا يحمل واجهة كردية كي لا تدخل بالصراعات الكردية – الكردية، خصوصا مع إقليم كردستان العراق، في وقت لم تقدم أي دعم ولو على المستوى السياسي لكرد عفرين ومن المتوقع أن تترك منبج أيضا، لأن مهمتها إنتاج قاعدة صدام مع المحور الروسي، وليس إنتاج دولة كردية يمكن أن تؤدي لتداعيات لا تريدها الولايات المتحدة.

 

في ظل هذه الرؤية الأمريكية فإن التعقيد السياسي الذي يظهر بعد انتهاء معارك الغوطة، يبدو في المشهد العام أكثر وضوحا، فبؤر التوتر الداخلية تزول سريعا، بينما تصبح الجبهات العسكرية على امتداد مناطق حدودية سورية، والحالة السياسية في شرقي الفرات بعيدة عن واجهة الحدث العسكري، بسبب التواجد الأمريكي، وعدم رغبة الحكومة السورية الدخول في صراع مع السوريين الكرد، فالتجربة العراقية في هذا الأمر تشكل تجربة هامة للحكومة السورية.

 

 المعارك القادمة بالنسبة للحكومة السورية هي في تمكين الجبهات القائمة سواء في الشمال نحو إدلب، أو جنوباً باتجاه التنف والحدود الأردنية، لكن هذه المعارك تحتاج لواقع سياسي أكثر منه عسكري، خصوصا في ظل الاتفاق الأمريكي – الروسي في هامبورغ، بشأن الجنوب الغربي لسورية، وسترسم القمة الروسية – التركية – الإيرانية في أنقرة، خلال شهر نيسان القادم ملامح سياسية لمستقبل الصراع، لأنها ستشكل استجابة هذا المحور غير التقليدي للتحدي الأمريكي الذي أطلقته «نيكي هايلي»، وفيه سيتم اختبار حدود الأدوار لهذه الدول في الحرب القائمة، وتحديدا الدور التركي الذي يشكل حساسية بالنسبة للحكومة السورية ولعلاقاتها مع حليفيها الروسي والإيراني.

رابط المقال:

http://alayam.sy/2018/04/01/%D8%A8%D8%A4%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84/

 
المصدر : الأيام
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2018 United Websites Network Of ulworld
s