الرئيسية \
2017/04/09 عين سورية
الضربة الأميركية المُخادعة
الكاتب : يزيد جرجوس

    في صباح يوم الجمعة السابع من نيسان، وبحوالي الساعة 3.42 قام الجيش الأميركي بجريمة الاعتداء بصواريخ عابرة قدر عددها بتسعة وخمسين حسب أقل رقم معلن، على مطار الشعيرات العسكري شرق مدينة حمص. نعم، هي جريمة يمكننا وصفها بالمخادعة والجبانة أيضا، وليس لأي من الأسباب والدواعي الخطابية والعاطفية المعروفة، ولكن لمقومات ومضمونات هذه الضربة، والتي سنحاول البحث فيها موضوعياً.

  لابد من إلقاء نظرة سريعة ودقيقة على مجمل الوضع العام السياسي والميداني في الأشهر الأخيرة، والتي جاءت الضربة في سياقها، وكمحاولة للمساهمة في تكوين هذا الوضع، أو التأثير فيه. فميدانيا وخلال الأشهر المنصرمة تحقق عدد من النجاحات على أرض المعارك في كامل الجغرافيا السورية، إما كتقدم ميداني كبير كتحرير حلب ومن ثم كامل ريفها الشرقي، وتحرير تدمر، وإنهاء عدد كبير من "المصالحات" في ريف دمشق وحمص مؤخرا لإنهاء كبريات التجمعات الخارجة عن سيطرة الدولة، وصولا إلى إضعاف كامل لقدرة المسلحين في جنوب سوريا وتحييدهم عن القدرة على التأثير، والاستمرار في قضم مناطقهم تباعا، والأهم من هذا وذاك الحرب الضروس التي نجحت الخطة السورية في إشعالها بين العصابات المسلحة في إدلب أكبر تجمع للمسلحين في سوريا. وإما على صعيد رد وإفشال أكبر الهجمات التي شنها المسلحون على مناطق ومحاور استراتيجية بالغة الأهمية في دير الزور ثم دمشق ثم ريف حماه، والتي باءت جميعها بالفشل وتم استيعابها واستعادة المبادرة والهجوم المعاكس على منفذيها، وقد كانت هذه الهجمات مُعَوّلاً عليها كثيرا لإحداث خرق ما في جدار النهوض السياسي الذي كانت تحققه سوريا، وهو الجانب الآخر من الصورة العامة التي نسردها الآن، حيث شهدت الأشهر الماضية تراجعات واضحة في حدة الخطاب السياسي والإعلامي لكثير من الدول الغربية وبعض الدول العربية أيضا، ما شكل حالة من التقدم السياسي السوري على كل الصعد، كان من الطبيعي أن ترخي ظلال اليأس على مجمل العصابات والتنظيمات التي تقاتل الدولة السورية، تماما كما أفردت مساحة جيدة للأمل والارتياح تجاه فكرة قرب انتهاء الحرب على سوريا لدى السوريين وحلفائهم.

   كل ذلك ولأن الأميركيين لم يعقدوا أي صفقة أو اتفاق مع الروس فيما يخص سوريا أو العالم، على عكس ما يستمر أسفا عدد كبير من محللينا بالترويج والتدليل، فيما النار تستعر وتأكل المزيد من الدول، وخاصة سوريا على وقع هذه التحليلات المتأملة أكثر من كونها متبصرة، كونها لم تستطع أن تقرأ أو تقر بالمزيد من الكباش الدولي، وليس التفاهم، والذي دفع أميركا كما كنا نقول، للتدخل هذه المرة بنفسها (وللمرة الثانية) من أجل إعطاء دفعة وزخم جديد للصراع، والذي استمر تسعيره عبر ست سنوات خلت، وحسب الحاجة، إما بتصريح سياسي إعلامي عربي أو تركي أو غربي، أو بتصرف أو إجراء سياسي ما، أو بتدخل عسكري مباشر من تركيا أو "إسرائيل" أو حتى أميركا نفسها. المسلحون ومموليهم المباشرين، بحاجة لدفعات مستمرة من رفع المعنويات وبث الأمل حتى يستمروا بالقتال والتدمير، بما يضمن استمرار الضغط على سوريا وحلفائها من جهة، ومن جهة أخرى قد يفتح بابا لإحداث تغيير ما في الحرب، بما يحدث خرقا كبيرا ينجم عنه انهيار في المعسكر المدافع (سوريا وحلفائها). أما لماذا اضطرت أميركا للتدخل هي الآن، فذلك لعدة معطيات، أولها التقدم الكبير الذي عرضناه آنفا، والذي يلزمه رد فعل من مستواه حتى يتم امتصاص أو استيعاب شيئا منه، إن لم نقل محاولة إفشاله، ومن ثم فإن التدخلين العسكريين الإسرائيليين الأخيرين كانا قد ووجها برد سوري صاعق وغير متوقع، مما أعطى سوريا المزيد من التقدم في الوضع العام، وأيضا جعل من أي محاولة إسرائيلية جديدة سلاحا معاكسا ربما، سيعطي الدولة والجيش السوريين، وفي حال الرد بنفس الطريقة، المزيد من التفوق في الحرب. فكان لا بد من دخول الأميركي بنفسه، هذه المرة.

الضربة كانت سريعة وخاطفة، وغير متبوعة بأي استثمار ميداني، حتى صغير كما حدث في الضربة السابقة في دير الزور، والتي يجب أن لا ننساها ونحن في إطار الفهم والتقييم، فعندها كان واضحا أن تنسيقا مباشرا حدث مع إرهابيي داعش الذين تقدموا مباشرة لاحتلال المنطقة التي ضربها الأميركيون، ليس على غرار هذه المرة، حيث لم يتم تحقيق أي خرق مباشر، برغم أن المسلحين في كثير من المناطق انطلقوا في محاولات للهجوم على عدد من المحاور، كرد فعل طبيعي عند كل اعتداء على الدولة السورية، وهو يثبت ما ذهبنا إليه أن هدف الضربات المتتالية هو توقيد نار الحرب فحسب. لذلك يمكننا وصف الضربة بالجبانة، لأنها عسكريا لم تنجز شيء يذكر، كما أنها ميدانيا لم تقم بتغيير في مجريات المعارك، فهي لم "تكمل المهمة عسكريا". وانطلاقا من التوظيف السياسي للأعمال العسكرية، يمكننا القول وبلسان الحوار الافتراضي بين مكونات حلف العدوان على سوريا، أن المعلم الأميركي يقول للدولة السورية "لا تستخدمي الكيماوي، لأنني سوف أقصف مطارا أو قاعدة ما" أي أنه لا مانع من استمرار العمليات العسكرية السورية لتصفية الوجود المسلح الخارج عن سيطرة الدولة، ولكن "بدون استخدام السلاح الكيماوي" إذا فالولايات المتحدة تطعن أدواتها بالظهر مجددا وتتركهم يتعرضون للتصفية، ولكن بطريقة محددة. طبعا هذا كما قلنا من منطلق ووجهة نظر حلف العدوان، ولهذا أيضا يمكن وصف السلوك الأميركي بالجبان أيضا من قبل أدواتهم هم.

  لننتقل إلى العنصر الاستراتيجي في الاعتداء الأميركي، والذي يمكننا أن ندخل فيه من بوابة التوقيت والأسلوب، فقد كان وبسهولة بإمكان الأميركيين أن يقدموا للعالم مسرحية أخرى اعتمادا على مسرحية الكيماوي في خان شيخون، وبإتقان أكثر، حيث يؤجلون الهجوم أيام، ويبثون صورا لرجال شقر "محققين" يقومون بالتقصي، بعد حملة دعائية مفادها أن "الإدارة الأميركية جادة في التحقق من الفاعل"، ومن ثم يخرج تقرير يدين سوريا، وتقوم السفن الأميركية بشن هجماتها على الموقع المذكور خلال دقائق. كان ذلك ليعطي الولايات المتحدة المزيد من الأريحية و"المشروعية"، كما ويعطي الدول والنخب التي تحاول محرجة أو جاهدة الوقوف في المنتصف بين المعسكرين، حجة للتماهي مع الرغبة الأميركية، أو لغض النظر عنها، كما وتحرج ولو قليلا الدول المؤيدة لسوريا، بما في ذلك النخب السياسية والإعلامية في كلا الحالتين وحتى في الشارع العربي والسوري نفسيهما. ولكن الأميركيين لم يقوموا بأي مما سلف، فهل هم أغبياء، ولا يعلمون كيف يعطون هجمتهم حقها وبعدها الاستراتيجي؟! أم أنهم هم من أراد تقييدها في الزمان والمكان، وفي الأثر على سير الحرب، بحيث يركزون هدفها في إذكاء روح الانقسام والتمترس الدولي والشعبي حول الحرب السورية، وكل في موقعه. فضربة بهذه الشاكلة (مبنية على مسرحية ضعيفة، ودون الركون إلى تحقيق) لن تجد من يصدقها يؤيدها إلا من تمناها، وسينكرها ويعارضها كل من عاداها، وهي لن تقوم بتغيير موقف أحد، بل على العكس ستثبت مواقف الجميع، وهو بالضبط ما يلزم من أجل "إدامة الصراع" التي ما لبثت الإدارة الأميركية تعمل عليها كما نوهنا منذ ستة أعوام. لماذا إدامة الصراع؟! لأنها الضامن للسير قدما في مشروع إضعاف المنطقة، وتقسيمها ليس سياسيا، وهو أمر يسير، ولكن اجتماعيا وثقافيا على قاعدة شعورية عميقة، تضمن المزيد من الاستثمار في حالة الحقد والكراهية بين شطري الصراع في المنطقة العربية، واللذين للأسف لم يعد منهما العدو الإسرائيلي. هذا من جانب، كما أنه من جانب آخر فإن إدامة الصراع قد تفتح نوافذا لإحداث الخروقات (كما نوهنا)، وليس التدخل الأميركي المباشر، كون القوة العظمى باتت اليوم غير قادرة على دفع تكاليف التدخل المباشر، وبالتالي تصر وتؤكد على سياسة اللعب من وراء الستار، وحتى عندما اضطرت للتدخل المباشر للحاجة الماسة، تدخلت بصورة خاطفة غير بناءة بالنسبة لها، ويمكنها أيضا التنصل من مفاعيلها، عبر التأكيد على محدوديتها، إضافة للإخطار المسبق بها قبل ساعة أو نحوه، الأمر الذي مكن السوريين ومن خلال وفاء الحليف الروسي، من إفراغ المطار بالكامل تقريبا، كما مكنهم من إسقاط واعتراض عدد لابأس به من الصواريخ التي وجهت إلى مطار الشعيرات الصامد، وساهم بتخفيف الغضب الروسي.

  في هذا السياق، وكتأكيد على عدم جدية الضربة في إحداث تغيير أو انعطاف في مجرى الحرب الدائرة، بما يغير من "الأرجحية والغلبة البطيئتين" للجيش العربي السوري وحلفائه، وكما أنه لم يتم متابعة الضربة بشن عدوان شامل، ولم يتم أيضا أي استثمار جدي ميداني يذكر، فإن الاعتداء لم "يثمر" تغيرا في طبيعة وجدية الدولة السورية إزاء قرارها الاستمرار بمحارب كافة العصابات المسلحة، بل وعلى العكس بدا أنه اتخذ كدافع جديد لإبداء المزيد من الإصرار على المضي في ذلك، كما ظهر في البيان العسكري للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السوريين، وهذا أمر كان الأميركيون يعرفونه جيدا. لهذا نعتقد أن العمل الأميركي كان مخادعا في المظهر، أريد منه الإيحاء بما هو أكبر بكثير مما حققه ميدانيا، وقد خدع وخذل أيضا وبنسبة كبيرة أعوانه وأدواته على الأرض الذين مالبثوا ينتظرون لحظة تدخله الميداني بفارغ الصبر، ومنذ ستة سوات، بذلوا فيها الغالي والرخيص للترويج لهذا التدخل، ولاستجراره أيضا، وباء كل ذلك بالفشل. كما وأنه بث مقدارا لا بأس به من الرعب في قلوب أبناء الشعب السوري، ريثما تبينوا أنه تمخض عن لا شيء لحظة أعادت المقاتلات السورية إقلاعها من نفس المطار عقب ساعات من الهجوم ولتنفيذ أعمال قتالية ناجحة. ونهاية أيضا كان العمل جبان في المضمون لأنه لم يتجرأ على "إنجاز" تغيير ما خارج لعبة الحرب بالوكالة، حرب الجبناء، ولكنه بين وأكد مجددا مقدار الإصرار الأميركي على تدمير سوريا، بعيدا عن كل التوليفات والتحليلات المتحدثة عن "تفاهمات تحت الطاولة" تحليلات تسقط يوميا مع إهراق المزيد من دماء أبناء الشعب السوري، وتدمير المزيد من بناه التحتية والفوقية.

 
المصدر : سورية الغد
عودة

  اضافة تعليق  
للتعليق على هذه المقالة الرجاء تعبئة الحقول التالية
 
: الاسم
: البريد
: التعليق
: الرمز السري
 
 
اضافة
 
الرئيسية - الإفتتاحية - الحدث - إقتصاد - دراسات - مساحة أنثى - اليوم السوري - الضفة الأخرى - المعادلة الصعبة
 
Programing & Support by WM
Copyright © 2003-2017 United Websites Network Of ulworld
s